محمد جمال الدين القاسمي
245
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي يؤتون مما رزقناهم من الأموال من شرع لهم إيتاؤه والإنفاق عليه من الفقراء والمساكين وذوي القربى واليتامى وأمثالهم ، على ما بيّن في آيات كثيرة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 4 ] وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ والمراد بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ الكتاب المنزل كله ، وإنما عبر عنه بلفظ الماضي - وإن كان بعضه مترقبا - تغليبا للموجود على ما لم يوجد . كما أن المراد من قوله وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ الكتب الإلهية السالفة كلها . وهذا كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [ النساء : 136 ] الآية . والإنزال النقل من الأعلى إلى الأسفل . فنزول الكتب الإلهية إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام بأن يتلقاها جبريل من جنابه عزّ وجلّ فينزل بها إلى الرسل عليهم السلام . ولهذا يقال : القرآن كلام الله ليس بمخلوق ، منه بدأ . أي تكلم به حقيقة لا مجازا . قال الإمام أحمد وغيره : وإليه يعود أي لا يبقى له أثر في الوجود أي هو المتكلم به قال تعالى وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [ الأنعام : 114 ] . وقال تعالى : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [ النحل : 102 ] . وقال تعالى : تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * [ الزمر : 1 ] . وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ الآخرة في الأصل : تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول وهي صفة الدار ، بدليل قوله تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ [ القصص : 83 ] . سميت بذلك لأنها متأخرة عن الدنيا . وقيل للدنيا : دنيا ، لأنها أدنى من الآخرة . وهما من الصفات الغالبة . ومع ذلك فقد جريا مجرى الأسماء . إذ قد غلب ترك ذكر اسم موصوفهما معهما ، كأنهما ليسا من الصفات . والإيقان إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه . وفي تقديم الآخرة وبناء يُوقِنُونَ على هُمْ تعريض بأهل الكتاب ، وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته . كزعمهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى ، وأن النار لن تمسّهم إلا أياما معدودة ، واختلافهم في أن نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا أو لا ؟ وهل هو دائم أو لا ؟ فاعتقادهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة ، فضلا عن الوصول إلى مرتبة اليقين ! .